محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

909

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال المرتضعون من ثدي الأسرار : الإرضاع تغذية المولود باللبن من طريق الفم ، ولقد كان غذاؤه حال الاجتنان في الرحم من طريق السرة الماصّة للغذاء امتصاص العروق النباتية من الأجزاء الأرضية والمائية ، إذ كانت أحكام النباتيات غالبة على الجنين ، ولمّا ولد وقطعت السرة الممدة للغذاء غلبت عليه أحكام الحيوانات ، فاحتاج إلى الغذاء من طريق الفم لتعمل فيها القوى الحيوانية من الجاذبة والماسكة والدافعة والهاضمة ثمّ الغاذية والمولدة للمثل ؛ وألطف ما يكون من الغذاء هو اللبن لسرعة استحالته وانهضامه ( 374 ب ) فتقوى على إحالته وهضمه القوى الضعيفة وتأثيره في إنبات اللحم وإنشاز العظم . قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم » وقدّره القرآن بحولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة : حول لإنبات اللحم وحول لإنشاز العظم على التمام لا منفصلا أحدهما عن الآخر ، بل يقسّطان « 1 » للعملين على الحولين ؛ ولمّا كان الولد جنينا في الرحم كانت تغذيته بالشهور وإذ خرج من الرحم كانت تغذيته بالأعوام ، والشهور للقمر ، والأعوام للشمس ، والأحكام النباتية أخصّ بالقمر ، والأحكام الحيوانية أخصّ بالشمس ، والتغذية باللبن لأكثر الحيوانات بالحول الواحد ، وللإنسان بحولين لضعف القوى العاملة فيه ، وبعده عن الدرجة النباتية ، فضوعفت المدّة لضعف القوّة ؛ فيكون لإنبات اللحم حول ولإنشاز العظم حول متداخلين في تمام التأثير ، وما وراء الحولين يغذّى ولا يحرّم ؛ ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، لأنّ حكمه في حولي الرضاع كحكمه في شهور الرحم ، وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا . وسرّ آخر : وزان الوالدات يرضعن أولادهن في العلميات والأمريات الشرعيات أوصياء الأنبياء وعلماء الدين ، هم ورثة الأنبياء - عليهم السلام - فإليهم التربية وعليهم التغذية ولهم الحضانة والرضاعة باللبن الخالص السائغ ممّا ينبت لحم التأويل وينشز عظم التنزيل ، دورين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة ، دور لتقرير أحكام التنزيل الظاهر ، ودور لتقرير أحكام التأويل الباطن ، متداخلين لا متباينين ؛ وعلى المولود له من الأنبياء - عليهم السلام - « 2 »

--> ( 1 ) . س : يقسطا . ( 2 ) . س : عليه .